محمود أبو رية

369

أضواء على السنة المحمدية

الثاني - ألا نجد الناس اختلفوا فيها . وقد كان رضي الله عنه يراعي كل المراعاة العمل المستمر الأكثر ويترك ما سوى ذلك ، وإن جاء فيه أحاديث ، وقال : أحب الأحاديث إلى ما اجتمع الناس عليه . ولنعد إلى ما نحن بصدده : قال الشاطبي في الموافقات ( 1 ) : قال الإمام مالك في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا : جاء هذا الحديث ولا أدري ما حقيقته ! وكان يضعفه ويقول : يؤكل صيده فكيف يكره لعابه ؟ وأهمل مالك كذلك اعتبار حديث من مات وعليه صوم . صام عنه وليه ( 2 ) وذلك للأصل القرآني ولا تزر وازرة وزر أخرى . وقال ابن العربي : إذا جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد الشرع ، فهل يجوز العمل به أم لا ؟ قال أبو حنيفة : لا يجوز العمل به ، وقال الشافعي : يجوز ، وقال مالك إن الحديث إذا عضدته قاعدة قال به وإن كان وحده تركه كما في حديث ولوغ الكلب - لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين ، أحدهما قوله تعالى : " فكلوا مما أمسكن عليكم " والثاني أن علة الطهارة ( الحياة ) وهي قائمة بالكلب ، ونهى عن صيام ست من شوال - مع ثبوت الحديث الذي أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي ، وهو من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر - رد ذلك تعويلا على أصل سد الذرائع . ومذهب أبي حنيفة : أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل ولهذا لم يقبلوا حديث المصراة . وكان الطحاوي ( 3 ) إمام الحنفية مجتهدا في المذهب يخالف أبا حنيفة عند قيام الدليل ، وينقد الحديث نقد معنى وإن صح السند في نظر المحدثين .

--> ( 1 ) ص 21 وما بعدها ج 3 . ( 2 ) رواه الشيخان وأبو داود . ( 3 ) هو أبو جعفر الطحاوي تفقه على خاله المزني صاحب الشافعي ، ألف معاني القرآن ومشكل الآثار وغيرهما عاش من سنة 229 ه‍ إلى سنة 321 ه‍ . أضواء على السنة المحمدية